السرخسي
21
أصول السرخسي
رسول الله ( ص ) كانت الإباحة ظاهرة في هذه الأشياء ، فإن الناس لم يتركوا سدى في شئ من الأوقات ، ولكن في زمان الفترة الإباحة كانت ظاهرة في الناس وذلك باق إلى أن ثبت الدليل الموجب للحرمة في شريعتنا ، فبهذا الوجه يتبين أن الموجب للحظر متأخر ، وهذا لأنا لو جعلنا الموجب للإباحة متأخرا احتجنا إلى إثبات نسخين : نسخ الإباحة الثابتة في الابتداء بالنص الموجب للحظر ، ثم نسخ الحظر بالنص الموجب للإباحة ، وإذا جعلنا نص الحظر متأخرا احتجنا إلى إثبات النسخ في أحدهما خاصة فكان هذا الجانب أولى ، ولأنه قد ثبت بالاتفاق نسخ حكم الإباحة بالحظر . وأما نسخ حكم الحظر بالإباحة فمحتمل فبالاحتمال لا يثبت النسخ ، ولان النص الموجب للحظر فيه زيادة حكم وهو نيل الثواب بالانتهاء عنه واستحقاق العقاب بالاقدام عليه ، وذلك ينعدم في النص الموجب للإباحة ، فكان تمام الاحتياط في إثبات التاريخ بينهما على أن يكون الموجب للحظر متأخرا والاخذ بالاحتياط أصل في الشرع . واختلف مشايخنا فيما إذا كان أحد النصين موجبا للنفي والآخر موجبا للاثبات ، فكان الشيخ أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول : المثبت أولى من النافي ، لان المثبت أقرب إلى الصدق من النافي ولهذا قبلت الشهادة على الاثبات دون النفي . وكان عيسى بن أبان رحمه الله يقول : تتحقق المعارضة بينهما ، لان الخبر الموجب للنفي معمول به كالموجب للاثبات ، وما يستدل به على صدق الراوي في الخبر الموجب للاثبات فإنه يستدل بعينه على صدق الراوي في الخبر الموجب للنفي . واختلف عمل المتقدمين من مشايخنا في مثل هذين النصين ، فإنه روي أن رسول الله عليه السلام تزوج ميمونة رضي الله عنها وهو محرم ، وروي أنه تزوجها وهو حلال ، ثم أخذنا برواية من روى أنه تزوجها وهو محرم والاثبات في الرواية الأخرى ، لأنهم اتفقوا أن العقد كان بعد إحرامه ، فمن روى أنه تزوجها وهو حلال فهو المثبت للتحلل من الاحرام قبل العقد ثم لم يرجح المثبت على النافي هنا . وروي أن بريرة أعتقت وزوجها كان حرا فخيرها رسول الله ( ص ) ، وروي أنها أعتقت وزوجها عبد ، ولا خلاف أن زوجها كان عبدا في الأصل ، فكان الاثبات في رواية من روى أن زوجها كان حرا حين أعتقت فأخذنا بذلك ، فهذا يدل على أن الترجيح